Service img 3

دراسة تكشف: “التصنيفات الجامعية الدولية.. بين الواقع والمسؤولية”

مقدمة

في عالم التعليم العالي الذي يتسم بالتنافسية المتزايدة، أصبحت التصنيفات الجامعية الدولية أداة محورية تؤثر على سمعة المؤسسات الأكاديمية، قرارات الطلاب، وحتى السياسات الحكومية. ولكن، هل تعكس هذه التصنيفات الصورة الحقيقية لجودة التعليم والبحث العلمي؟ وهل تلتزم بمبادئ الشفافية والمسؤولية؟ دراسة حديثة من تركيا تلقي الضوء على هذه التساؤلات الجوهرية.

عن الدراسة

أجرت الدكتورة جوليدا دوغان من جامعة هاجيتيب (Hacettepe Üniversitesi) في تركيا، دراسة بحثية بعنوان “بديل لتصنيفات الجامعات : منظور التصنيف المسؤول” (An Alternative to Indispensable University Rankings: Responsible Ranking) . نُشرت هذه الدراسة في مجلة Reflektif للعلوم الاجتماعية (Reflektif Journal of Social Sciences) في عام 2025، وهي مدعومة من برنامج TÜBİTAK BİDEB 2218.
تهدف الدراسة إلى تقييم مدى التزام التصنيفات الجامعية الدولية بمبادئ التصنيف المسؤول، وذلك بالاستناد إلى ثلاثة أطر رئيسية: مبادئ CWTS، ومبادئ برلين، ومبادئ INORMS. وقد قامت بتحليل 14 تصنيفًا جامعيًا عالميًا بناءً على أحدث البيانات المتاحة حتى سبتمبر 2024.

مبادئ CWTS :

تشير إلى المنهجية التي يعتمدها مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة ليدن (Centre for Science and Technology Studies – CWTS) في هولندا، وهو المركز المسؤول عن إصدار تصنيف ليدن الدولي للجامعات.

المنهجيات الرئيسية

يعتمد تصنيف CWTS ليدن على منهجيتين أساسيتين:

  1. النسخة التقليدية (CWTS Leiden Ranking Traditional Edition): تعتمد على بيانات منصة Web of Science لتحليل الإنتاج العلمي والبحثي للجامعات

  2. النسخة المفتوحة (CWTS Leiden Ranking Open Edition): أُطلقت منذ عامين وتعتمد على بيانات منصة OpenAlex المفتوحة، وتشمل نطاقاً أوسع من الجامعات (حوالي 2800 جامعة عالمياً)

المبادئ الأساسية

يُعد تصنيف ليدن أحد أبرز التصنيفات البحثية الدولية، ويقوم على:

  • التحليل الشامل للإنتاج العلمي: تقييم المخرجات البحثية للجامعات بناءً على الكم والجودة

  • الاعتماد على البيانات البيبليومترية: استخدام قواعد بيانات معتمدة لقياس الأثر البحثي

  • الشفافية المنهجية: توفير نسخ مختلفة تعتمد على مصادر بيانات متنوعة لضمان الشمولية

هذا التصنيف يركز بشكل خاص على الجودة البحثية والتأثير العلمي للجامعات، مما يجعله مرجعاً مهماً لتقييم الأداء الأكاديمي والبحثي للمؤسسات التعليمية عالمياً.

مبادئ INORMS:

هي المبادئ التوجيهية التي أقرتها الشبكة الدولية لجمعيات إدارة البحوث (International Network of Research Management Societies – INORMS)، وهي شبكة عالمية تجمع جمعيات ومؤسسات إدارة البحوث من مختلف أنحاء العالم.

النتائج الرئيسية للدراسة

كشفت الدراسة عن نتائج مهمة ومثيرة للجدل:
التزام متفاوت: أظهرت تصنيفات مثل CWTS Leiden و U-Multirank (الذي لم يعد متاحًا) أعلى مستويات الالتزام بمبادئ التصنيف المسؤول.
أداء ضعيف للتصنيفات الشهيرة: على النقيض، أظهرت التصنيفات الأكثر شعبية مثل QS و THE (Times Higher Education) و ARWU (Shanghai Ranking) أداءً ضعيفًا، خاصة فيما يتعلق بالشفافية، والحوكمة، والمتانة المنهجية.
فجوة في الممارسات التركية: أشارت الدراسة إلى أن الممارسات الحالية في تركيا لا تتوافق مع هذه النتائج، مما يستدعي من صانعي القرار تبني نهج أكثر وعيًا في استخدام التصنيفات الجامعية.
إطار توجيهي: تقدم الدراسة إطارًا توجيهيًا لتطوير وتطبيق التصنيفات بشكل مسؤول.

أهمية النتائج

تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تؤكد على الحاجة الملحة لإعادة التفكير في كيفية تقييم الجامعات واستخدام هذه التقييمات. فالتصنيفات الحالية غالبًا ما تركز على المخرجات الأكاديمية الكمية، وتتجاهل جوانب حيوية مثل جودة التدريس، وتجربة الطلاب، والمساهمة المجتمعية، والتنوع المؤسسي . هذا التركيز الضيق يدفع الجامعات لتغيير سلوكها لتتوافق مع معايير التصنيف، وهو ما يُعرف بـ “الاستجابة” (Reactivity)، بدلاً من التركيز على رسالتها الأساسية .
إن مفهوم “التصنيف المسؤول” الذي تدعو إليه الدراسة، يقترح نهجًا شموليًا يراعي الشفافية المنهجية، والمسؤولية الاجتماعية، والتنوع، والاختلافات السياقية. ويشدد على أن التصنيفات يجب ألا تكون المحدد الوحيد في عمليات صنع القرار، بل يجب تفسير تأثيراتها بحذر وفي سياقها .

لماذا لا يتم نشر مثل هذه الدراسات؟ ومن الجهة التي تقف خلف إخفاء مثل هذه الدراسات؟

تثير هذه الدراسة تساؤلات حول سبب عدم انتشار مثل هذه الانتقادات والتحليلات بشكل أوسع، والجهات التي قد تستفيد من إبقاء الوضع الراهن. يمكن تلخيص الأسباب والجهات المستفيدة في النقاط التالية:
المصالح التجارية: العديد من التصنيفات الجامعية الكبرى هي كيانات تجارية تحقق أرباحًا كبيرة من خلال بيع البيانات، وخدمات الاستشارات، والإعلانات للجامعات التي تسعى لتحسين مراكزها . نشر دراسات تنتقد منهجياتها أو تكشف عن أوجه قصورها قد يضر بنموذج أعمالها.
الضغط على الجامعات: الجامعات نفسها غالبًا ما تكون تحت ضغط هائل لتحسين مراكزها في التصنيفات، لأن ذلك يؤثر على جذب الطلاب، والتمويل، والسمعة. وبالتالي، قد تكون مترددة في دعم أو نشر الأبحاث التي تنتقد هذه التصنيفات بشكل علني، خوفًا من التأثير السلبي على مكانتها .
صعوبة توحيد المعايير: هناك تحدٍ كبير في توحيد معايير التقييم بين الجامعات ذات الطبيعة المختلفة (جامعات بحثية، جامعات تطبيقية، جامعات صغيرة، إلخ) . التصنيفات الحالية غالبًا ما تفشل في تقديم منهجيات مناسبة لهذه الاختلافات، مما يجعلها عرضة للانتقاد.
الافتقار إلى الشفافية: كما أشارت الدراسة، تعاني التصنيفات الشهيرة من نقص في الشفافية حول اختيار المعايير، وتحديد الأوزان، ومصادر البيانات . هذا الغموض يجعل من الصعب على الباحثين الخارجيين إجراء تقييمات نقدية شاملة.
التأثير على السياسات الحكومية: تعتمد العديد من الحكومات وصانعي السياسات على هذه التصنيفات في تحديد أولويات التعليم العالي وتخصيص الموارد . قد لا تكون هناك رغبة في التشكيك في هذه الأدوات التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي.
بشكل عام، فإن الجهات التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن هي تلك التي لديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على هيمنة التصنيفات الحالية، سواء كانت هذه الجهات هي الشركات التي تدير التصنيفات، أو الجامعات التي تستفيد من مراكزها المرتفعة

الخلاصة

تؤكد دراسة الدكتورة جوليدا دوغان على أن التصنيفات الجامعية ليست مجرد أرقام، بل هي أدوات قوية تشكل مستقبل التعليم العالي. ومن الضروري أن يتم تطويرها واستخدامها بمسؤولية أكبر، مع التركيز على الشفافية، والشمولية، والعدالة، لتعكس القيمة الحقيقية للجامعات ومساهماتها المتنوعة في المجتمع.

المراجع

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *