--:-- في مكة المكرمة
مؤشر GUPI مؤشر GUPI

استراحة تصنيفات: هل رقم 26 مكتوب علينا؟

بقلم: محمد الدرابيع

في كل موسم من مواسم التصنيفات الدولية، نعيش المشهد نفسه تقريبًا: إعلان النتائج، قراءة سريعة للمراتب، ثم موجة من الاحتفاء أو القلق. لكن السؤال الأهم لا يبدأ من الرقم الذي ظهر في خانة الترتيب، بل من القصة التي صنعتها الأرقام عبر الزمن. فهل تكشف نتائج تصنيف شنغهاي بين 2022 و2026 عن مسار صاعد ومستقر؟ أم أنها تقول إننا نعيد إنتاج المركز نفسه، مع تغييرات محدودة لا ترقى إلى مستوى التحول؟

والسؤال الذي يمنح هذه القراءة عنوانها هو: هل رقم 26 مكتوب علينا؟ إذا كان المقصود هو دورة عام 2026، فالإجابة المختصرة: لا. أما إذا كان المقصود أن يبقى حضورنا في التصنيفات أسيرًا للرقم نفسه، أو لنطاقات متقاربة، فالمعطيات تقول إن المشكلة ليست في «لعنة رقم 26»، بل في غياب التحسن المؤسسي المتراكم الذي يجعل الصعود مستدامًا.

تعتمد هذه القراءة على بيانات السنوات 2022 و2023 و2024 و2025 و2026  .

أولًا: الصورة العامة لا تسير في خط مستقيم

يظهر اتساعًا في عدد الجامعات المدرجة حتى عام 2024، قبل أن يستقر العدد عند 26 جامعة في عامي 2025 و2026. وقد بلغ إجمالي الجامعات الفريدة التي ظهرت مرة واحدة على الأقل خلال السنوات الخمس 38 جامعة، بينما ظهرت 16 جامعة في السنوات الخمس جميعًا. وهذه نقطة مهمة: فزيادة عدد الأسماء في سنة معينة لا تعني بالضرورة تحسنًا عامًا، كما أن غياب جامعة في سنة لاحقة لا يعني وحده انهيارًا مؤسسيًا؛ فقد يكون مرتبطًا بحدود الإدراج أو بتغيرات في البيانات المتاحة أو في نطاقات التصنيف.

السنةعدد الجامعات المدرجة

الملاحظة العامة

 

202219قاعدة مقارنة أولية محدودة نسبيًا
202326توسع واضح في عدد الجامعات
202429أعلى عدد من الجامعات
202526  عودة إلى مستوى 2023
202626استقرار عددي، دون توسع جديد

 

ومن ثم، فإن أول درس من المقارنة هو ضرورة الفصل بين اتساع التمثيل وتحسن المواقع. قد يرتفع عدد الجامعات المدرجة، لكن ذلك لا يثبت تلقائيًا أن الجامعات ذاتها تقدمت. التصنيف يقيس الموقع داخل مجموعة تنافسية متحركة، لا مجرد الحضور في القائمة.

ثانيًا: الجامعة الأولى محليًا لم تحوّل التقدم إلى اتجاه مستقر

تقدم جامعة الملك سعود المثال الأكثر وضوحًا على حساسية قراءة سنة واحدة. فقد ظهرت في النطاق 101–150 عامي 2022 و2023، ثم سجلت في 2024 ترتيبًا رقميًا هو 90، وهو أفضل موقع في الملف خلال السنوات الخمس، والجامعة الوحيدة التي دخلت شريحة أفضل 100 في أي سنة من السنوات محل المقارنة. لكنها عادت إلى نطاق 101–150 في 2025، ثم إلى 151–200 في 2026.

المغزى هنا ليس التقليل من قيمة ترتيب 90، بل وضعه في سياقه الصحيح: الإنجاز الحقيقي في التصنيفات هو الذي يتحول إلى مسار، لا إلى ومضة. فالعودة بعد عام واحد إلى نطاق أضعف تعني أن الاحتفاء بالرقم المنفرد يجب أن يصاحبه سؤال عن العوامل التي أنتجته، وعن قدرة المؤسسة على تكراره وتحسينه.

ثالثًا: الثبات ليس فشلًا دائمًا

إذا كان الصعود الكبير يلفت الانتباه، فإن الثبات الطويل قد يكون أكثر دلالة. جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بقيت في النطاق 201–300 في السنوات الخمس كلها.

هذا الثبات يمكن قراءته بطريقتين. القراءة الأولى سلبية: المؤسسة لم تنتقل إلى شريحة أفضل خلال خمس سنوات. والقراءة الثانية أكثر توازنًا: المؤسسة حافظت على موقعها في بيئة تنافسية تتغير باستمرار، وهو بحد ذاته ليس أمرًا بسيطًا. لكن الثبات يصبح مشكلة عندما يتحول إلى سقف دائم، أي عندما لا يصاحبه مشروع واضح للانتقال من نطاق إلى نطاق أعلى.

الثبات مطلوب بوصفه قاعدة انطلاق، لا بوصفه نهاية الطموح.

رابعًا: هناك قصص صعود، كما توجد إشارات تراجع

لا تقدم البيانات صورة واحدة عن جميع الجامعات. فجامعة الملك خالد تحسنت من 601–700 في 2022 إلى 401–500 في 2026، كما تحسنت جامعة خليفة من 801–900 إلى 601–700، وتقدم كل من جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز وجامعة الأزهر بنحو نطاق واحد تقريبًا عند المقارنة بين بداية الفترة ونهايتها.

في المقابل، تظهر حالات تراجع تستحق التوقف، أبرزها جامعة الملك عبدالعزيز التي انتقلت من 101–150 في 2022 إلى 501–600 في 2025 و2026. كما تراجعت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من 401–500 إلى 601–700، وتراجعت جامعات أخرى بنحو نطاق واحد، منها جامعة القاهرة والإسكندرية وقطر، عند المقارنة بين 2022 و2026.

ومع ذلك، ينبغي عدم تحويل هذه التحولات إلى أحكام نهائية على جودة الجامعات. فالبيانات المعروضة لا تتضمن درجات المؤشرات التفصيلية أو أوزانها أو بيانات الجامعات المنافسة كافة. ولذلك يمكن القول إن الملف يصف النتيجة الظاهرة، لكنه لا يفسر وحده سبب النتيجة.

خامسًا: رقم 26 ليس المشكلة؛ طريقة التعامل معه هي المشكلة

قد يبدو عام 2026 شبيهًا بعام 2025 من حيث عدد الجامعات المدرجة: 26 جامعة في كل منهما. لكن التشابه العددي لا يعني التطابق في الأداء. ففي 2026 دخلت جامعتان جديدتان إلى الملف، هما جامعة محمد السادس متعددة التخصصات وجامعة الحدود الشمالية، بينما لم تظهر جامعات كانت حاضرة في سنوات سابقة. هذا يعني أن «رقم 26» يخفي وراءه حركة في تركيبة القائمة نفسها.

لذلك، لا يصح التعامل مع العدد 26 باعتباره مؤشرًا كافيًا على التقدم أو التراجع. السؤال الأدق هو: كم جامعة صعدت إلى شريحة أفضل؟ كم جامعة حافظت على موقعها؟ كم جامعة تراجعت؟ وهل تحسن أفضل موقع محلي، أم أن التحسن كان عابرًا؟

لا توجد في 2026 جامعة ضمن أفضل 100، بعد أن سجلت جامعة الملك سعود المرتبة 90 في 2024. كما ظل أفضل موقع ثابتًا لجامعة الملك سعود داخل نطاق 151–200 في 2026، بينما حافظت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية على نطاق 201–300. هذه مؤشرات تدعو إلى قراءة هادئة، لا إلى احتفال آلي ولا إلى جلد ذات جماعي.

سادسًا: من الاحتفال بالترتيب إلى إدارة القدرة التنافسية

التصنيف ليس هدفًا منفصلًا عن الجامعة، لكنه مرآة جزئية لبعض مخرجاتها وسمعتها البحثية وحضورها الدولي. وإذا أردنا أن تتحول النتائج من خبر سنوي إلى تحسن متراكم، فالمطلوب هو الانتقال من سؤال «كم ترتيبنا؟» إلى أسئلة أكثر إنتاجية: ما المؤشر الذي تحسن؟ ما المؤشر الذي تراجع؟ ما الذي فعلته الجامعات التي صعدت؟ وهل توجد سياسات مؤسسية تستمر بعد تغير القيادات والبرامج؟

الجامعات التي بقيت في النطاق نفسه تحتاج إلى خطة اختراق، لا مجرد خطة محافظة. والجامعات التي تراجعت تحتاج إلى تشخيص شفاف يفرق بين تراجع الأداء وتغير قواعد القياس أو دخول منافسين جدد. أما الجامعات التي صعدت، فعليها أن تثبت أن الصعود ليس حادثة عابرة، وأن تبني حوله منظومة من النشر عالي الأثر، والتعاون الدولي النوعي، واستقطاب الباحثين، وتحسين جودة البيانات المؤسسية.

خاتمة: استراحة قصيرة قبل السباق التالي

نتائج شنغهاي بين 2022 و2026 لا تقول إن «رقم 26 مكتوب علينا». لكنها تقول إن الاعتماد على الرقم السنوي وحده قد يضللنا. لدينا قصص ثبات، وقصص تحسن، وقصص تراجع حاد، كما أن عدد الجامعات المدرجة لا يتحرك في اتجاه واحد. وما نحتاجه ليس مزيدًا من التفسير الاحتفالي للنتائج، بل استراحة تحليلية نراجع فيها المسار، ونفهم الفروق بين الومضة والاتجاه.

إن أفضل سؤال يمكن أن نغادر به موسم التصنيف ليس: «هل تحسن ترتيبنا هذا العام؟» بل: هل أصبحت مؤسستنا أقوى بحيث يصعب على ترتيبها أن يتراجع في العام المقبل؟ عندها فقط يصبح الرقم نتيجة لمسار، لا بديلًا عن المسار.

0:00
ترند التصنيفات
--:-- مكة المكرمة
👋 أنا جود، مساعدك الذكي. كيف أقدر أساعدك؟