عند إعلان تصنيف التايمز للجامعات العربية 2027، ستتجه معظم العناوين إلى اسم الجامعة الأولى وعدد المراكز التي تقدمت بها كل مؤسسة. لكن القراءة الأكثر فائدة تبدأ من سؤال آخر: لماذا جاءت الجامعة في هذا المركز؟
تعتمد منهجية THE على مجموعة من المؤشرات التي تغطي المهام الأساسية للجامعة البحثية. وفي النسخة العربية، تُجمع المؤشرات ضمن خمسة محاور رئيسية هي: جودة البحث، وبيئة البحث، وبيئة التدريس، والانفتاح الدولي، والصناعة ونقل المعرفة. وقد أوضحت المؤسسة أن أوزان هذه المحاور تُعاد معايرتها لتناسب أولويات الجامعات العربية، حتى مع اعتمادها إطارًا قريبًا من التصنيف العالمي.
جودة البحث العلمي
يقيس هذا المحور مدى تأثير البحوث المنشورة، وليس عدد الأبحاث وحده. وتدخل فيه مؤشرات مثل أثر الاستشهادات، وقوة البحث، وحجم الأبحاث الواقعة ضمن أعلى مستويات التأثير، إضافة إلى تأثير البحث في الأعمال العلمية المؤثرة.
هذه النقطة مهمة للجامعات العربية التي تنتج عددًا كبيرًا من الأبحاث، لكنها تريد أيضًا إثبات أن أبحاثها تُقرأ وتُستشهد بها وتؤثر في مسار المعرفة. لذلك قد لا تكون الجامعة الأكثر نشرًا هي الأعلى في جودة البحث، إذا كانت أبحاثها أقل تأثيرًا بعد ضبط الفروق بين التخصصات.
بيئة البحث
لا ينفصل الأداء البحثي عن البيئة التي تنتجه. ولهذا يتابع التصنيف سمعة الجامعة البحثية، ودخل البحث، والإنتاجية البحثية. وتساعد هذه المؤشرات في الإجابة عن أسئلة عملية: هل تملك الجامعة قدرة مستمرة على تمويل البحث؟ هل لديها كتلة أكاديمية قادرة على إنتاج المعرفة؟ وهل تتحول الموارد إلى نشر علمي ذي جودة؟
ولا ينبغي قراءة دخل البحث باعتباره مرادفًا تلقائيًا لجودة الجامعة. فهو مؤشر على الموارد والقدرة المؤسسية، لكنه يحتاج إلى أن يُقرأ مع جودة المخرجات وتأثيرها.
بيئة التدريس
يشمل هذا المحور جوانب مثل سمعة التدريس، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، ونسبة الدكتوراه إلى البكالوريوس، ونسبة الدكتوراه الممنوحة إلى أعضاء هيئة التدريس، إضافة إلى الدخل المؤسسي بعد ضبطه وفق القوة الشرائية.
ومن منظور الطالب، هذا المحور أقرب إلى الحياة التعليمية اليومية من بعض مؤشرات البحث. لكنه لا يقدم حكمًا منفردًا على جودة تجربة الطالب؛ فاختيار التخصص، والاعتماد الأكاديمي، والرسوم، وفرص التدريب، ونسب التوظيف عوامل ينبغي فحصها أيضًا قبل اتخاذ قرار الدراسة.
الانفتاح الدولي
تتنافس الجامعات اليوم على استقطاب الطلاب والأساتذة من خارج الدولة، وعلى بناء شراكات بحثية عابرة للحدود. لذلك يقيس التصنيف نسبة الطلاب الدوليين، ونسبة أعضاء هيئة التدريس الدوليين، والتعاون الدولي في الأبحاث.
ويمنح هذا المحور إشارة إلى قدرة الجامعة على العمل في شبكة أكاديمية عالمية. غير أن ارتفاع النسبة الدولية لا يكفي وحده؛ فالأهم هو نوعية الشراكات، واستمراريتها، وما تنتجه من أبحاث وبرامج مشتركة وفرص فعلية للطلاب.
الصناعة ونقل المعرفة
يتضمن هذا المحور دخل الجامعة من الصناعة وبراءات الاختراع المرتبطة بأبحاثها. وهو يعكس قدرة المؤسسة على تحويل المعرفة إلى حلول أو خدمات أو ابتكارات يمكن أن تستفيد منها قطاعات الاقتصاد والمجتمع.
وتزداد أهمية هذا المؤشر في المنطقة العربية مع توسع خطط التنويع الاقتصادي والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة والصحة والتقنيات المتقدمة. ومع ذلك، يجب عدم مقارنة الجامعات مقارنة عمياء؛ فطبيعة التخصصات وحجم الجامعة وبيئتها الاقتصادية تؤثر في فرص التعاون الصناعي.
كيف يقرأ الطالب النتيجة؟
يمكن للطالب استخدام الترتيب كإشارة أولية، لا كبديل عن البحث الشخصي. فإذا كانت الجامعة قوية في البحث، فقد تكون مناسبة لمن يخطط للدراسات العليا. وإذا كان الانفتاح الدولي مرتفعًا، فقد يجد الطالب فرصًا أوسع للتعاون والتبادل. أما من يبحث عن تخصص مهني، فعليه مراجعة الاعتماد والخطة الدراسية وفرص التدريب والتوظيف.
وبالنسبة إلى الجامعات، فإن أفضل استخدام للتصنيف هو تحويل النتيجة إلى لوحة أداء داخلية. التقدم في المركز مفيد، لكن تحديد المؤشر الذي يحتاج إلى تحسين أكثر فائدة على المدى الطويل.
الخلاصة
لن تكون قيمة تصنيف THE العربي 2027 في ترتيب المراكز فقط، بل في البيانات التي تكشف نقاط القوة والفجوات بين الجامعات. وكل قراءة مسؤولة للنتائج يجب أن تضع المركز إلى جانب المنهجية، وأن تميز بين تحسن الأداء الفعلي وأثر تغير البيانات أو الأوزان.
